الاصدقاء
نتمنى أن تجدوا فوق هامات فجرنا
وبين فكرنا الخيالي ما يسركم
ونتمنى لكم إقامة رائعة
في ظلال منتدياتنا الساحرة
ونحن في إنتظار
بديع حرفكم وسحر معانيكم
نحن في شوق جارف
لنرى ما تحملوا من فكر
لتنثروه على صفحات منتدانا
فاطلقوا العنان لقلمكم الخلاب
نحن نرى فيكم نجوماً يوماً ما
ولنا الفخر بانضمامكم لأسرتنا
وبكل شوق ننتظر
تسجيلكم و مشاركاتكم و إبداعاتكم

الاصدقاء

ملتقي الاصدقاء  
الرئيسيةالبوابةاليوميةمكتبة الصورس .و .جبحـثالمجموعاتالتسجيلدخول
ابرئ نفسي أنا مؤسس الموقع ، أمام الله ثم أمام جميع الزوار و الأعضاء ، على ما يحصل من تعارف بين الأعضاء أو الزوار على مايخالف ديننا الحنيف
بحـث
 
 

نتائج البحث
 
Rechercher بحث متقدم
المواضيع الأخيرة
» أجمل كلام عن الحب
السبت أبريل 04, 2015 3:44 pm من طرف حمادة

» صـــــــــــــــــعــــــــــــــــــــــــــــب
الخميس نوفمبر 13, 2014 3:10 pm من طرف البرازيلى

» سجل حضورك بالصلاه علي النبي
الأربعاء نوفمبر 12, 2014 2:18 pm من طرف البرازيلى

» سجل حضورك بذكر الله
الأربعاء نوفمبر 12, 2014 2:17 pm من طرف البرازيلى

» وحشتوني اوووووووووي
الأربعاء نوفمبر 12, 2014 1:13 pm من طرف البرازيلى

» وحشتـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــونى
الجمعة يناير 03, 2014 1:37 am من طرف عادل القدسي

» هل لديك الجرأة للاجابة عن كل هذه الأسئلة؟! أتمنى من الجميع المشاركة
الجمعة يناير 03, 2014 1:34 am من طرف عادل القدسي

» يوم ميلاد احلى الاعضاء
الخميس يناير 05, 2012 8:50 pm من طرف maryam

» هترمى مين؟
الإثنين يناير 02, 2012 11:14 pm من طرف أميرة حبى أنا

» بحبكم يا اصدقاء الموت فقط يفرقنا
الأحد يناير 01, 2012 11:08 pm من طرف اجمل ايام حياتى

أفضل 10 أعضاء في هذا المنتدى
الرومانسي الحزين - 4949
 
دمعه حب حزينه - 3329
 
رونة - 2891
 
اجمل ايام حياتى - 1390
 
البرازيلى - 1178
 
دموع الحب - 820
 
elmalak-eltayb - 514
 
ΞМŕ.EgYPTΞ - 474
 
sugerr - 436
 
روح مليانة جروح - 408
 
برامج تهمك
 

 

 

 

 

  

 

 

 

 

 

 
ارشفة الاصدقاء

شاطر | 
 

 جعفر بن ابى طالب (ذى الجناحين )

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
دمعه حب حزينه
مشرفه قسم الخاص بالرسول
مشرفه قسم الخاص بالرسول
avatar

انثى 1
نقاط : 3963
عدد المساهمات : 3329
التقييم : 3
تاريخ التسجيل : 28/05/2010
العمر : 26
1


مُساهمةموضوع: جعفر بن ابى طالب (ذى الجناحين )   السبت أغسطس 07, 2010 11:17 pm


حديثنا اليوم عن ( جعفر ابن أبي طالبٍ رضي الله عنه الشهيد الطيار ) .
وهو واحدً من خريجي مدرسة النبوة المباركة المدرسة ، التي خرّجت لنا معالم القمة والقدوة في سائر جوانب الحياة .. في العقيدة صفاءً وعمقاً وثباتاً ، وفي العبادة كثرةً وإخلاصاً وخشوعاً ، وفي الفكر إدراكاً ونضجاً ووعياً ، وفي المعاملات المالية ورعاً وبذلاً وزهداً ، وفي سائر جوانب الحياة المختلفة .

ووقفاتنا مع صحابينا الجليل جعلتها في خمس محطات :
1- في الحب والقرب .
2- في التضحية والهجرة .
3- في الفطنة والدعوة .
4- في الجود والكرم .
5- في الشجاعة والإقدام .

ولقد نال جعفر - رضي الله عنه- في كل هذه الجوانب قصباً من السبق عظيماً وقدراً وافراً كريماً ، ولعل هذه الوقفات الموضوعية تعيننا على الانتفاع من سيرة جعفر رضي الله عنه .
وهي كذلك لا تخلو - أولا تقطع - سرد الحياة التي كانت له في صورة قصصٍ وأحداث .

ونبدأ بمحطتنا الأولى : القرب والحب
فجعفرٌ قريب إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وحبيب ، وأما قربه فمن وجوه كثيرة :
فهو ابن عم رسول الله - عليه الصلاة والسلام - إذ هو جعفر بن أبي طالب ، واسم أبو طالبٍ عبد مناف بن عبد المطلب بن هاشم ، وهو الأخ الشقيق لعلي وعقيل ابني أبي طالب رضي الله عنهم أجمعين .
وأمهم جميعاً فاطمة بنت أسد بن هاشم بن عبد مناف بن قصي ، فنسبه موصول برسول الله صلى الله عليه وسلم من جهة الأب ومن جهة الأم .

وأسلم جعفر ابن أبي طالب كما ذكر ابن عبد البر في الاستيعاب بعد علي رضي الله عنه بقليل .. وروى ابن إسحاق ، كما نقل عنه ابن عبد البر وابن حجر كذلك في الإصابة : " أنه أسلم بعد واحدٍ وثلاثين رجلاً ، وكان هو الثاني والثلاثين " .

وفي رواية أخرى : " أنه كان الخامس والعشرين " ، فهو من السابقين الأوائل إلى الإسلام ، وورد في بعض الروايات أن من دعاه هو أبو بكر الصديق رضي الله عنه .
وفي رواياتٍ أخرى وإن كانت الروايات السابقة أشهر وأظهر : " أنه كان في أوائل من أسلم بعد خديجة بنت خويلدٍ رضي الله عنها وعلي ابن أبي طالبٍ وزيدٍ وبلالٍ والمقربين القريبين من رسول الله عليه الصلاة والسلام " .

وبالجملة ؛ فإن الذين سبقوا إلى الإسلام كانت لهم مزايا ومحاسن ، هي التي جاءت بهم إلى الإسلام دون غيرهم ، ممن أعرضوا وصدوا ، وممن قاوموا وآذوا رسول الله صلى الله عليه وسلم .. فالذين أسلموا وأقبلوا على الإسلام كان لهم زكاء نفس ، ورجاحة عقل ، وطهر قلب ، وثقب نظر ، ثم أراد الله - عز وجل - قبل ذلك بهم الخير ، فأقبلوا بقلوبهم على الإسلام ومتابعة رسول الله صلى الله عليه وسلم .

ومن وجوه الحب قصصٌ كثيرة مع هذا القرب الذي كان بالنسب ، والذي كان تبعًا لذلك بالمعاشرة والمعايشة ؛ فإن رسول الله صلى الله صلى الله عليه وسلم كان فترة من الزمان في ظل رعاية وكنف أبي طالبٍ - والد جعفر رضي الله عنه - وعلي ابن أبي طالبٍ - رضي الله عنه - تربى ونشأ في حجر رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وجعفر شقيقه وهو أسنّ من علي بعشر سنين ، فكان قريباً ومخالطاً لرسول الله عليه الصلاة والسلام .

وروى البخاري من حديث البراء بن عازب ، قصة تنبئنا عن هذا القرب والحب .
اعتمر النبي صلى الله عليه وسلم في ذي القعدة ، فأبى أهل مكة أن يدخل مكة ، حتى قاضاهم على أن يقيم بها ثلاثة أيامٍ ، فلما كتبوا الكتاب : " هذا ما قاضى عليه محمد صلى الله عليه وسلم .. " ، إلى آخر ما هو مذكور في قصة الحديبية ، ثم أخذ النبي صلى الله عليه وسلم بما أخذ به من شان الصلح ، ثم مضى الأجل ، فلما دخلها النبي - صلى الله عليه وسلم - أي مكة في عام القضاء ، ومضى الأجل ، أتوا علياً - أي كفار مكة - فقالوا : قل لصاحبك اخرج عنا فقد مضى الأجل ، فخرج النبي صلى الله عليه وسلم ، فتبعتهم ابنة حمزة بن عبد المطلب رضي الله عنه - عمّ النبي صلى الله عليه وسلم - وهي تقول : يا عمّ يا عمّ ، فتناولها علي بن أبي طالب رضي الله عنه ، فأخذ بيدها وقال لفاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم : دونك ابنة عمك، فحملتها، فاختصم فيها علي وزيد وجعفر، فقال علي: أنا أخذتها وهي ابنة عمي ، وقال جعفر: ابنة عمي، وخالتها تحتي ، وقال زيد: ابنة أخي ، فقضى بها النبي صلى الله عليه وسلم لخالتها وقال: ( الخالة بمنزلة الأم ) ، وقال لعلي: ( أنت مني وأنا منك ) ، وقال لجعفر: ( أشبهت خلقي وخلقي ) ، وقال لزيد: ( أنت أخونا ومولانا ). قال علي: ألا تتزوج ابنة حمزة؟ قال: ( إنها ابنة أخي من الرضاعة ) .
وانظروا إلى هذا القضاء العظيم ، وإلى هذا العقل الراجح ، وإلى التربية النفسية الفريدة لرسول الله صلى الله عليه وسلم .
وشاهده قوله لجعفر : ( أشبهت خلقي وخلقي ) ، وقد كان أشبه صحابه رسول الله صلى الله عليه وسلم برسول الله من حيث الخلقة ، وأضاف النبي بنص حديثه الخلق وذلك دليل موافقةٍ وحبٍ .

وذكر الذهبي في السير رواية هذا الحديث من طريق ابن إسحاق :
عن أسامة بن زيدٍ ، عن أبيه زيدٍ ، أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول لجعفر : ( أشبه خلقك خلقي وأشبه خلقك خلقي فأنت مني ومن شجرتي ) رجاله ثقات ، أخرجه أحمد في المسند ومثل ذلك رواه ابن سعدٍ في الطبقات .
وهذا دليل قربٍ وحبٍ واضحٍ فيما كان لجعفر عند رسول الله صلى الله عليه وسلم .

وروايةً أخرى كذلك لهذا الحديث ، عن هانئ بن هانئ ، عن عليٍ رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( أشبهت خلقي وخلقي ) .

ومن صور المحبة الفياضة لجعفر في قلب المصطفى صلى الله عليه وسلم ما علم بعد ذلك ، مما سيأتي في سيرة جعفر ، يوم قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم راجعاً من الحبشة إلى المدينة المنورة ، فوافا النبي صلى الله عليه وسلم والمسلمين بعد غزوة خيبر ، وفتح الله عز وجل لهم ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( لا أدري بأيهما أسر بقدوم جعفر أم بفتح خيبر ) .
فجعل ذلك الفتح العظيم الذي كان من أعظم الفتوح من حيث الغنائم ومن أعظمها وأجلها من حيث تطهير الجزيرة من اليهود عليهم لعائن الله ، جله في قمة السرور ، لكنه قارن ذلك ووازاه وساواه وقارنه بحب النبي صلى الله عليه وسلم لجعفر وسروره بقدومه .

قال الذهبي رحمه الله في السير : " وقد سر رسول الله صلى الله عليه وسلم لقدوم جعفر ، وحزن - والله – لوفاته " .
ذكر ذلك في مقدمة ترجمته في السير ، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يحب بعد جعفر أبناء جعفر ويضمهم إليه ، ويشمهم ويردفهم ويقربهم ؛ لما كان لجعفر في قلبه من الحب والمنزلة الخيرة رضي الله عنه وأرضاه .

روى مسلم في صحيحه ، عن عبد الله بن جعفر رضي الله عنهما قال : "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قدم من سفر تُلُقِّيَ بصبيان أهل بيته، قال: وإنه جاء من سفر فسُبِق بي إليه فحملني بين يديه، ثم جيء بأحد ابني فاطمة الحسن والحسين رضي اللَّه عنهم فأردفه خلفه، قال: فأُدخلنا المدينة ثلاثة على دابة " ، أي كانوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم .

وقد ورد كذلك في شأن قدوم جعفر ما يكشف عن مزج تلك المحبة بالاجلال والتقدير لجعفر عند رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقد ذكر ابن عبد البر سياق هذه الرواية : أنه لما قدم جعفر على رسول الله صلى الله عليه وسلم تلقاه المصطفى عليه الصلاة والسلام واعتنقه ، وقبّل بين عينيه ، وقال : ( ما أدري بأيهما أنا أشد فرحاً بقدوم جعفر أم بفتح خيبر ؟! ) ، وأنزله رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى جوار المسجد .

وهذا التقبيل بين عينيه إجلال وحب ، والاعتناق دليل شوقٍ من الرسول صلى الله عليه وسلم لجعفر ، وقد نأت به هجرته عن رسول الله صلى الله عليه وسلم حوالي سبع سنين من هجرته إلى يوم فتح خيبر .

وقد ذكر ابن حجر في الإصابة أيضاً في المسند عند الإمام أحمد من حديث عليٍ رفعه قال : ( أعطيت رفقاء نجباء .. وعدّ منهم سبعة منهم جعفر بن أبي طالبٍ رضي الله عنه ) .
وسياق الحديث على أن هذه الكوكبة من أقرب وأحبّ أصحاب محمدٍ صلى الله عليه وسلم إليه .

ولذلك بلغ الحزن برسول الله صلى الله عليه وسلم مبلغاً يوم استشهد جعفر بن أبي طالب .
روت عائشة رضي الله عنها قالت : لما جاءت وفاة جعفر عرفنا في وجه النبي صلى الله عليه وسلم الحزن .
وعن أسماء - أي بنت عميس - زوج جعفر رضي الله عنه ، قالت : دخل عليّ رسول الله صلى الله عليه وسلم فدعا بني جعفر فرأيته شمهم - أي قبلهم واعتنقهم - وذرفت عيناه عليه الصلاة والسلام ، فقلت : أبلغك عن جعفر شيئاً ؟! قال : نعم قتل اليوم ، قالت فكنا نبكي ، فرجع وقال : ( اصنعوا لآل جعفر طعامً فقد شغلوا عن أنفسهم ) .
ووردت روايات أخرى تحكي لنا حزن النبي صلى الله عليه وسلم على جعفر ، وقوله عليه الصلاة والسلام فيما وردت فيه بعض الروايات ( على مثل جعفر فلتبكي البواكي ) .
وكان عليه الصلاة والسلام يحب جعفر ويقربه ، وتلك بعض مواقف الحب والقرب في محطتنا الأولى .

الثانية : في التضحية والهجرة
وهي السمة الغالبة على حياه جعفر رضي الله عنه ، فقد هاجر كما لم يهاجر غيره من الصحابة إلا نفر قليل .
قال ابن عبد البر في الاستيعاب : " هاجر الهجرتين إلى الحبشة ، وهاجر إلى المدينة المنورة فحياته كلها كانت هجرة لله ولرسوله صلى الله عليه وسلم ، ولإقامة الدين والدعوة إليه ، والأمان لإقامة شعائره وشرائعه " .

فهو ممن هاجر إلى الحبشة في الهجرة الأولى وهاجر إلى الحبشة مع زوجه أسماء بنت عميسٍ رضي الله عنها الهجرة الثانية ، وولد له أولاده الثلاثة في الحبشة وعاش فيها ردحاً من الزمن ، وذكر ابن حجر في الإصابة ، قال : " وعلى يديه أسلم النجاشي ومن تبعه في الحبشة " ، وذكر رواية عن ابن مسعود : " أن جعفر بن أبي طالبٍ كان أمير المهاجرين في الحبشة " ، وروى ذلك ابن سعدٍ في الطبقات .

وذلك كله يدلنا على أن جعفر رضي الله عنه كان من أهل الإيمان الراسخ ، واليقين العظيم ، والتضحية الكبيرة ترك داره وأرضه وبلاده وهاجر إلى الحبشة بعد أن أذن بذلك ، وأمر به رسول الله صلى الله عليه وسلم لما قال : ( إن بأرض الحبشة ملكاً عادلاً لا يظلم عنده أحد فالحقوا بأرضه ) ، فذهب جعفر رضي الله عنه في الفوج الأول الذي لم يكن يتعدى عددهم كما في بعض روايات السيرة إثني عشر أو ثمانية عشر ما بين رجلٍ وامرأة ، ثم كذلك كان في الفوج الثاني الذي زاد على ثمانين رجلاً وامرأة وكانت له المواقف العظيمة هناك .
وكانت هجرته على هذا النحو ، ثم لحاقه بالنبي صلى الله عليه وسلم سجل له هجرةً إضافيةً - أو هجرةً ثالثة - فكان ممن كانت حياته كلها هجرةً وتضحيةً في سبيل الله ، وفي سبيل إعلاء كلمه الله عز وجل .

ثم إن أبا موسى الشعري روى لنا قصة المهاجرين من الحبشة كيف قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟
فأخبر أبوموسى رضي الله عنه أنه خرج ومعه نفر من قومه من بلاده - وهو من اليمن - قال : نريد رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة فقذفت بنا السفينة على أرض الحبشة ، فوافينا جعفراً وأصحابه ن ثم خرجنا معهم جميعً إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فوافينا المدينة في أعقاب خيبر .

وهنا وقعت قصةٌ كذلك تدلنا على مسألة الهجرة وأهميتها وفائدتها ، ترويها لنا أسماء بنت عميس مذكورة في البخاري ومسلم وغيرهما من كتب السنة المشهورة .
هذه الرواية فيها : أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قدم ودخل على بيته ، وعند زوجته امرأة ، فقال : من هذه ؟ قالت : أسماء بنت عميس ، فقال عمر : آل حبشية ؟ أي هل هي الحبشية التي جاءت من الحبشة ؟ فقالت : نعم ، فقال : الفاروق : سبقناكم بالهجرة ، فنحن أحق برسول الله صلى الله عليه وسلم منكم !
وكان تفاخر القوم ليس بلأحساب والأنساب ، وإنما بالبذل والتضحية في سبيل الله ، وبالقرب والخدمة والذود والحماية لرسول الله صلى الله عليه وسلم .
فغضبت أسماء رضي الله عنها من ذلك وحزنت - وكانوا أعظم وأحرص شيئاً على الخير والفضل في هذا الدين - فقالت : كلا والله !كنتم مع رسول الله صلى الله عليه وسلم يطعم جائعكم ، ويعلم جاهلكم ، وكنا في دار البعداء والبغضاء في الحبشة ، وذلك في الله وفي رسوله ، والله لا أطعم طعاماً ، ولا أشرب شراباً ، حتى أذكر ما قلت لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، فذهبت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت له ذلك ، فقال عليه الصلاة والسلام : ليس بأحق بي منك ولأصحابه هجرة واحدة ، ولكم أنتم يا أهل السفينة هجرتان ، فأثنى بهم وعليهم ؛ لفضل الهجرة ، وترك الديار والأهل ، والعيش في الغربة حفاظاً على الدين وحرصاً على إقامته .
فقالت أسماء رضي الله عنها : فجعل أهل الحبشة يأتون إلي أرسالاً يسئلونني عن حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم . وكانوا أفرح شيءٍ بالخير .

وهذا يدلنا على فضل الهجرة عموماً ، والهجرة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم خصوصاً ، وقد نال جعفر بن أبي طالبٍ قصب السبق في كل هذه الهجرات التي كانت في سيرة النبي صلى الله عليه وسلم .

وبعد سياق الهجرة ننتقل إلى المحطة الثالثة : الفطنة والدعوة
لقد كان جعفر رضي الله عنه ذكيً أريبًا أديباً ، راجح العقل ، وافر الذكاء ، يحسن القول في وقت القول ، ويحسن ما يذكر في القول مما ينفع ولا يضر ، وكان داعية حكيمً حصيفً أريباً رضي الله عنه وأرضاه .
ولذلك كان مقدّم القول والصحابة في الحبشة ، حتى روى ابن مسعودٍ -كما أشرنا - مما ذكر ابن سعدٍ في الطبقات أنه كان أميراً للمؤمنين في الحبشة .

ونعلم جميعاً القصة الشهيرة التي نريد أن نذكر سياقها في قصة بعث قريشٍ لعياش ابن أبي ربيعه وعمر ابن العاص ليذهبا إلى النجاشي ، ويطلبا منه تسليم الصحابة - رضوان الله عليهم - الذين هاجروا إلى الحبشة ؛ فإن قريشً بجاهليتها الجهلاء ، وغطرستها العمياء ، ورغبتها في العدوان والإيذاء لن تترك المهاجرين - وقد تركوا لها مكة كلها وذهبوا إلى الحبشة - فلحقت بهم ، وأرادت أن تردهم لتشفي غيظها بعذابهم وإيذائهم ، ولتمنع تسرب الدعوة من الجزيرة إلى خارجها ؛ ولئلا يشوه المسلمون سمعتها وصورتها عند الآخرين من الأمم والأقوام ، فبعثوا حينئذٍ عمر بن العاص وعياش ابن أبي ربيعة .

وسياق الرواية نذكره من رواية أم سلمة رضي الله عنها - وكانت من المهاجرات إلى الحبشة - وهذا السياق عند الإمام أحمد في مسنده ، وهو الذي ذكره ابن إسحاق وابن هشامٍ في السيرة ونحوه ، وذكره ابن سعدٍ في الطبقات ، والبيهقي في دلائل النبوة ، وهو سياق فيه كلام نفيس ، وعرض جليل ، يدل على الذكاء والفطنة وعلى الدعوة كذلك .
قالت أم سلمة رضي الله عنها : لما نزلنا أرض الحبشة ، جاورنا بها خير جار النجاشي ، أمنا على ديننا ، وعبدنا الله تعالى لا نؤذى ولا نسمع شيئا نكرهه فلما بلغ ذلك قريشا ، ائتمروا بينهم أن يبعثوا إلى النجاشي فينا رجلين منهم جلدين وأن يهدوا للنجاشي هدايا مما يستطرف من متاع مكة ، وكان من أعجب ما يأتيه منها الأدم فجمعوا له أدما كثيرا ، ولم يتركوا من بطارقته بطريقا إلا أهدوا له هدية ثم بعثوا بذلك عبد الله بن أبي ربيعة ، وعمرو بن العاص ، وأمروهما بأمرهم وقالوا لهما : ادفعا إلى كل بطريق هديته قبل أن تكلما النجاشي فيهم ثم قدما إلى النجاشي هداياه ثم سلاه أن يسلمهم إليكما قبل أن يكلمهم .
قالت : فخرجا حتى قدما على النجاشي ، ونحن عنده بخير دار عند خير جار فلم يبق من بطارقته بطريق إلا دفعا إليه هديته قبل أن يكلما النجاشي ، وقالا لكل بطريق منهم إنه قد ضوى إلى بلد الملك منا غلمان سفهاء فارقوا دين قومهم ولم يدخلوا في دينكم وجاءوا بدين مبتدع لا نعرفه نحن ولا أنتم وقد بعثنا إلى الملك فيهم أشراف قومهم ليردهم إليهم فإذا كلمنا الملك فيهم فأشيروا عليه بأن يسلمهم إلينا ولا يكلمهم ؛ فإن قومهم أعلى بهم عينا ، وأعلم بما عابوا عليهم فقالوا لهما : نعم . ثم إنهما قدما هداياهما إلى النجاشي فقبلها منهما ، ثم كلماه فقالا له : أيها الملك إنه قد ضوى إلى بلدك منا غلمان سفهاء فارقوا دين قومهم ولم يدخلوا في دينك ، وجاءوا بدين ابتدعوه لا نعرفه نحن ولا أنت ، وقد بعثنا إليك فيهم أشراف قومهم من آبائهم وأعمامهم وعشائرهم لتردهم إليهم فهم أعلى بهم عينا ، وأعلم بما عابوا عليهم وعاتبوهم فيه .
قالت : ولم يكن شيء أبغض إلى عبد الله بن أبي ربيعة وعمرو بن العاص من أن يسمع كلامهم النجاشي . قالت فقالت بطارقته حوله صدقا أيها الملك قومهم أعلى بهم عينا ، وأعلم بما عابوا عليهم فأسلمهم إليهما فليرداهم إلى بلادهم وقومهم .
أي تسليم مجرمين ، أو اتفاقيات تسليم للمجرمين أو الإرهابيين كما يزعمون اليوم .
قالت : فغضب النجاشي ، ثم قال : لاها الله إذن لا أسلمهم إليهما ، ولا يكاد قوم جاوروني ، ونزلوا بلادي ، واختاروني على من سواي حتى أدعوهم فأسألهم عما يقول هذان في أمرهم ؛ فإن كانوا كما يقولان أسلمتهم إليهما ، ورددتهم إلى قومهم وإن كانوا على غير ذلك منعتهم منهما ، وأحسنت جوارهم ما جاوروني .
قالت : ثم أرسل إلى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فدعاهم فلما جاءهم رسوله اجتمعوا ، ثم قال بعضهم لبعض ما تقولون للرجل إذا جئتموه قالوا : نقول : والله ما علمنا ، وما أمرنا به نبينا صلى الله عليه وسلم كائنا في ذلك ما هو كائن .
فلما جاءوا ، وقد دعا النجاشي أساقفته فنشروا مصاحفهم حوله سألهم فقال لهم ما هذا الدين الذي قد فارقتم فيه قومكم ولم تدخلوا به في ديني ، ولا في دين أحد من هذه الملل ؟ قالت فكان الذي كلمه جعفر بن أبي طالب رضوان الله عليه - فماذا قال جعفر ؟ استمعوا إلى الفطنة والدعوة - قال له : " أيها الملك كنا قوماً أهل جاهلية نعبد الأصنام ونأكل الميتة ونأتي الفواحش ونقطع الأرحام ونسيء الجوار ويأكل القوي منا الضعيف فكنا على ذلك حتى بعث الله إلينا رسولا منا ، نعرف نسبه وصدقه وأمانته وعفافه فدعانا إلى الله لنوحده ونعبده ونخلع ما كنا نعبد نحن وآباؤنا من دونه من الحجارة والأوثان وأمرنا بصدق الحديث وأداء الأمانة وصلة الرحم وحسن الجوار والكف عن المحارم والدماء ونهانا عن الفواحش وقول الزور وأكل مال اليتيم وقذف المحصنات وأمرنا أن نعبد الله وحده لا نشرك به شيئاً ، وأمرنا بالصلاة والزكاة والصيام - قالت فعدد عليه أمور الإسلام - فصدقناه وآمنا به واتبعناه على ما جاء به من الله فعبدنا الله وحده فلم نشرك به شيئا ، وحرمنا ما حرم علينا ، وأحللنا ما أحل لنا ، فعدا علينا قومنا ، فعذبونا ، وفتنونا عن ديننا ، ليردونا إلى عبادة الأوثان من عبادة الله تعالى ، وأن نستحل ما كنا نستحل من الخبائث فلما قهرونا وظلمونا وضيقوا علينا ، وحالوا بيننا وبين ديننا ، خرجنا إلى بلادك ، واخترناك على من سواك ; ورغبنا في جوارك ، ورجونا أن لا نظلم عندك أيها الملك " .
أعتقد لو أن مؤتمرً إسلامياً كاملاً يعقد حتى يصوغ مثل هذه الدعوة الجميلة الذكية لقصر عن ذلك !

انتبهوا هنا إلى مسائل كثيرة في هذه الحادثة يقصر مقامنا عن ذكرها :
المسلمون كانوا أقلية في بلدٍ غير إسلامي ، وهم بحالهم ذلك كأنما يمثلون أوضاع الجالية المسلمة في بلادٍ غير إسلاميةٍ كما هو حال كثيرٍ من المسلمين اليوم .
فأول أمرٍ نلحظه هنا : مشورة المسلمين فيما بينهم ، ثم وحدة كلمتهم ، واجتماع أمرهم ،لم يتفرقوا ولم يختلفوا ، أجمعوا أمرهم ، ووحدوا كلمتهم ، وانتدبوا المتحدث باسمهم ، فليس هناك أقوال ولا آراء متعددة يظهرون بها لغير المسلمين .

ثم إن جعفراً رضي الله عنه أحسن المقالة ، وأظنكم توافقون أن من يسمع قول جعفر لا بد أن يوافقه ويؤيده مباشرة .
أولاً : بدأ بقوله : " أيها الملك " ، وهذا ليس فيه شيء للتعظيم لغير المسلم ، بل فيه وصف لحقيقته التي هو عليها ، فهو ملك تلك البلاد ، فليس في مثل هذا حرجٌ شرعيٌ ، بل فيه كذلك تنزل حسن ؛ لكي يكون هناك جسر يمتد منه الحديث ، وتتحد به الأرضية لكي يقبل على ذلك القول ويسمع له ويصغي .
ووردت روايات أخرى - في غير هذا السياق - أنهم كانوا إذا دخلوا على النجاشي يركعون له ، وأن عبد الله وعمرو بن العاص فعلا ذلك ، فلما جاء جعفر لم يصنع مثل هذا ، فقال له : لما لا تركع كغيرك ؟! قال : إنا لا نركع ولا نسجد إلا لله عز وجل ، فكان هذا الموقف أيضاً لفت نظرٍ إلى أن المساومة في أمرٍ شرعيٍ ثابتٍ أو عقديٍ أساسيٍ لا مجال فيه مطلقاً ، لكن قوله : " أيها الملك " ليس فيه غضاضة ، ولا حرج شرعي بحال .

ثانياً : بدأ يسرد له ، فذكر له مساوئ الجاهلية .. ذكرها بصيغةٍ موجزةٍ بليغةٍ محكمةٍ ، وبيّنها وفصّلها ، فقال : " كنا قوماً أهل جاهلية نعبد الأصنام ونأكل الميتة ونأتي الفواحش ونقطع الأرحام ونسيء الجوار ويأكل القوي منا الضعيف " .
أي صورة هذه ؟ أي مجتمع هذا ؟ أي أخلاق هذه ؟ إنها تلك التي تنفر منها كل نفسٍ سوية ، ويأباها كل عقلٍ راشد .
وهذه هي صور الجاهلية على حقيقتها المظلمة والكفر على صورته البشعة ، وأخلاقه الرذيلة الدميمة ، وأحواله الاجتماعية الطبقية العنصرية الظالمة الباغية .

ثالثاً : قال : " فكنا على ذلك حتى بعث الله إلينا رسولا منا ، نعرف نسبه وصدقه وأمانته وعفافه " .
فإذاً هذا سرّ من أسرار اختيار الصحابة وإجماعهم على جعفر ؛ لأنه ابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم فهو أعرف به وألصق به من غيره من بقية الصحابة ، فقوله فيه يكون عن بصيرة وعلم وخبرة وقربٍ ، أكثر من غيره ، ولذلك قال هذه المقالة .
ثم بيّن دعوة الإسلام ، فبدأ بالتوحيد : " فدعانا إلى الله لنوحده ونعبده ونخلع ما كنا نعبد نحن وآباؤنا من دونه من الحجارة والأوثان " ، ثم ذكر الجانب الأخلاقي الإنساني في الإسلام ؛ لأن هذه الجوانب الإنسانية قاسمً مشترك بين الأمم وبين الناس جميعاً ، من أصحاب الفطر السوية ، والمسلمون يحسن بهم أن يظهروا هذه الجوانب لغير المسلمين ؛ لأنها الجوانب التي تلفت العقول والأنظار ، وتسلب أو تجبي أو تميل النفوس والقلوب إلى حقائق الإسلام .
ولذلك عرضها ، فقال : " وأمرنا بصدق الحديث وأداء الأمانة وصلة الرحم وحسن الجوار والكف عن المحارم والدماء ونهانا عن الفواحش وقول الزور وأكل مال اليتيم وقذف المحصنات " .
ثم كرر بعد ذلك الأمر بالتوحيد والصلاة والزكاة ، وهذا تلخيصٌ حسنٌ لجوامع الإسلام وأسسه وقواعده ، دون أن يخوض في التفصيل والتفريع ؛ لأنه في مقام عرضٍ إجماليٍ ، يبين حقيقة هذا الدين في كلياته وأصوله وقواعده ، ويظهر محاسنه ومنافعه وفوائده .

رابعاً :كرر بعد ذلك ؛ ليكشف حقيقة الكفر والشرك والجاهلية في معارضتها للأخلاق الفاضلة ومضادتها لحقوق الإنسان ، ومنعها لحرية الرأي والتعبير والاعتقاد ، فقال : " فعدا علينا قومنا ، فعذبونا ، وفتنونا عن ديننا ، ليردونا إلى عبادة الأوثان من عبادة الله تعالى ، وأن نستحل ما كنا نستحل من الخبائث "
فظهر حينئذٍ أن هذا ظلم وبغي ، كل صاحب نفسٍ حرة ، وفطرةٍ سوية يكون مع هؤلاء المظلومين ضد المعتدين بغض النظر عن الدين والمعتقد .

وهذا نراه اليوم أيضاً لدى بعض الأفراد والجماعات والمجموعات والمنظمات من غير المسلمين تشبث حقيقي بحقوق الإنسان ورغبة في رد اظلم والعدوان من أي أحدٍ كان
ولذا نرى منهم مواقف عجيبة ليست منطلقة منطلقة من منطلقات الإسلام لكنها منطلقة من منطلقات الإنسان .
ولذلك نرى من يسمونهم " نشطاء السلام " يدافعون عن إخواننا في فلسطين ، يرفعون قضيتهم - وربما قتل بعضهم - كما هو معلوم ومعروف ، وهم في ذلك يرون أنهم يدافعون عن حقٍ وعدل ، ويمنعون ظلماً وجوراً ، وينصرون إنساناً مضطهداً ، دون أن ينظروا إلى دينه أو عقيدته ، فبعض المعاني الإنسانية العظيمة المشتركة راعاها جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه في دعوته بذكاءٍ وفطنة .

خامساً :ختمها بأحسن ختامٍ ، عندما أثنى على النجاشي وبلاده بما هو فيه ، من غير زيادة ، والمسلم الحق من يذكر الحق والواقع لإنصافٍ وعدل حتى وإن كان عند غير المسلم ، فقال : " فلما قهرونا وظلمونا وضيقوا علينا ، وحالوا بيننا وبين ديننا ، خرجنا إلى بلادك ، واخترناك على من سواك ; ورغبنا في جوارك ، ورجونا أن لا نظلم عندك أيها الملك " .
وهذا يستدعي من النجاشي حميته وقوته وعطفه ،كيف يلتجئ إليّ أناس فأخذلهم ؟ كيف يرغبون في جواري فأطردهم ؟ كيف ينشدون عدلي فأظلمهم ؟

ولذلك أحسن جعفر - رضي الله عنه - هذا العرض إحساناً بالغاً فائقاً ، وأثنى على النجاشي وبلاده في مجمل أوضاعها بما هو حق ، وليس في هذا حرجٌ شرعي ! ليس من حرجٍ أن نقول عن نظام بعض تلك البلاد ، أو بعض قوانينها ، أو بعض أحوالها ما هو عدل وحق ، وما فيه مصلحة ومنفعة - وإن لم يكن قائم على أساسٍ عقدي صحيح ، وإن لم يكن منطلق من الإسلام وعقائده ومبادئه - ولذلك قال له هذا القول ، ثم ختم بقوله : " ورجونا أن لا نظلم عندك أيها الملك " .

فلما قال هذه المقالة الجامعة الوافية الذكية ، قال النجاشي : هل معك مما جاءك به عن الله عز وجل شيء ؟
وهنا جاهزية الداعية المسلم لا يتلكأ ، فقال جعفر : نعم ! فقرأ عليه صدراً من سورة مريم ، واختيار القراءة أيضاً كان موفقاً ؛ فإن صدر سورة مريم فيه قصة زكريا ويحيى وعيسى عليهم السلام جميعاً ، وفيه ذكر أمورٍ يعرف جعفر أن النجاشي يعرفها من كتابه ودينه .
قالت :فبكى والله النجاشي حتى اخضلت لحيته وبكت أساقفته حتى أخضلوا مصاحفهم حين سمعوا ما تلا عليهم .
ثم قال لهم النجاشي : إن هذا والذي جاء به عيسى ليخرج من مشكاة واحدة انطلقا ، فلا والله لا أسلمهم إليكما ، ولا يكادون .
فهل استسلم عمرو بن العاص وهو داهية العرب كما تعلمون ؟
قالت : فلما خرجا من عنده قال عمرو بن العاص : والله لآتينه غدا عنهم بما أستأصل به خضراءهم – أي سوف آتي غدً في جولةٍ أخرى ، وأذكر عن هؤلاء المسلمين قضيةً سوف تغير موقف النجاشي عليهم أي شيء سيذكر ؟ هل هو أمر متعلق بالعقيدة والدين ؟ لنعلم أن المحرك الأساسي والجوهري في اتخاذ المواقف إنما هو العقيدة والمبدأ قبل المصلحة والمنفعة - قالت : فقال له عبد الله بن أبي ربيعة ، وكان أتقى الرجلين فينا : لا نفعل فإن لهم أرحاما ، وإن كانوا قد خالفونا ; قال والله لأخبرنه أنهم يزعمون أن عيسى بن مريم عبد .
ومالِ عمرو بن العاص وهو وثني مشرك ولعيسى ابن مريم وللمسيحية والنصرانية ؟
إنما يريد الفتنة ، وهذا هو الذي يستغله أيضاً أعداء الإسلام من اليهود وغير اليهود ؛ فإنهم لا يريدون حقاً وعدلاً ، وإنما يريدون أن يطعنوا المسلمين ، ويسيئوا إليهم ، ويؤلبوا عليهم .

قالت ثم غدا عليه من الغد فقال له : أيها الملك إنهم يقولون في عيسى ابن مريم قولا عظيما ، فأرسل إليهم فسلهم عما يقولون فيه . قالت فأرسل إليهم ليسألهم عنه .
ونلاحظ أنه لم يقل : ماذا يقولون ؟ إنما أراد أن يجعل القضية في حس النجاشي ضخمة وعظيمة ؛ حتى إذا سمع النجاشي القول كان غضبه في غاية العظمة والشدة ، فأرسل إليهم ليسمع منهم - وهذا من عدل النجاشي إن لم يسمع من طرفٍ في كلت الحالتين .
تقول أم سلمة : ولم ينزل بنا مثلها قط . فاجتمع القوم ثم قال بعضهم لبعض ماذا تقولون في عيسى ابن مريم إذا سألكم عنه ؟ قالوا : نقول والله ما قال الله وما جاءنا به نبينا ، كائنا في ذلك ما هو كائن . قالت فلما دخلوا عليه قال لهم ماذا تقولون في عيسى ابن مريم ؟ قالت فقال جعفر بن أبي طالب : نقول فيه الذي جاءنا به نبينا صلى الله عليه وسلم يقول : هو عبد الله ورسوله وروحه وكلمته ألقاها إلى مريم العذراء البتول .
والكلام مختصر وموجز لكنه دقيق وحكيم .

أولاً قال : نقول ما جاء به نبينا صلى الله عليه وسلم ، فليس القول عندنا ، وليس اجتهاد وإنما هو دين ووحي .
ثم قال : إنه عبد الله وذلك ينفي أنه ابن الله ، وينفي أنه الله عز وجل ، تعالى الله عما يقولون علواً كبيراً .
لكنه أضاف المعنى المعجز الذي نؤمن به ، وهو وروحه - أي التي قذفها في مريم عليها السلام - ورسوله فهو نبيٌ مرسل كرسول الله صلى الله عليه وسلم .

قال : " وكلمته ألقاها إلى مريم العذراء البتول " أيضاً ليبرئ مريم عليها السلام مما يقذفها بها بعض اليهود والمحرفين منهم - على وجه الخصوص - فهو جمع في ذلك محاسن عقيدة الإسلام في هذه المسألة المهمة .
فلا هو ابن الله ، ولا هو الله ، ولا هو بشر كسائر البشر ، بل هو كلمة وروح ألقاها الله إلى مريم ، وليست مريم عليها السلام ممن عنده شيء من شبه أو من قذفٍ أو من غير ذلك .

استطراد يسير نذكره لبعض علماء الإسلام : " أبوبكر الباقلاني " جاءه بعض النصارى ، وأرادوا أن يثيروا بعض الشبه ، فقالوا له : إن زوجة نبيكم قد وقع لها ما وقع - يعنون بذلك حادثة الإفك ، ويرمون بذلك عائشة ، ويغمزون في شرفها - فقال بذكاءٍ وفطنةٍ وبديهةٍ وسرعة : هما امرأتان اتهمتا في شرفهما ، وبرأهما الله عز وجل ، أما واحدة فلم يكن لها زوج وجاءت بولد ! وأما الثانية فكان لها زوج ولم تأتي بولد - يعني الأولى مريم - قال : إذا كان ولا بد من شبهة فتلك لا زوج لها وجاءت جاء بها ولد جاء منها ولد ! وأما هذه فلها زوجً ولم يأتي لها ولد فهي أبعد عن الشبهة ومع ذلك فنحن نبرأهما كما برأهما الله عز وجل .

قالت : فضرب النجاشي بيده إلى الأرض فأخذ منها عودا ، ثم قال : والله ما عدا عيسى بن مريم ما قلت هذا العود - يعني بالضبط تماماً كما قلت ، وهو يعرف التحريف – وذلك كان من أثر عرض جعفر بن أبي طالب أن النجاشي أسلم ، وأكثر الروايات على أن النجاشي الذي أسلم والذي صلى عليه النبي صلى الله عليه وسلم هو هذا النجاشي الذي لقيه جعفر بن أبي طالب وتكلم بين يديه .
قالت فتناخرت بطارقته حوله حين قال ما قال فقال وإن نخرتم والله اذهبوا فأنتم شيوم بأرضي - والشيوم الآمنون - من سبكم غرم ثم قال من سبكم غرم ثم قال من سبكم غرم . ما أحب أن لي دبرا من ذهب وأني آذيت رجلا منكم - ردوا عليهما هداياهما ، فلا حاجة لي بها ، فوالله ما أخذ الله مني الرشوة حين رد علي ملكي ، فآخذ الرشوة فيه وما أطاع الناس في فأطيعهم فيه .
قالت فخرجا من عنده مقبوحين مردودا عليهما ما جاءا به وأقمنا عنده بخير دار مع خير جار .
وهنا نرى كيف كان فطنة جعفر رضي الله عنه ، والمقام أقصر من أن نحيط بكثيرٍ من جوانب العظمة والذكاء والفطنة وحسن العرض والدعوة فيما كان من جعفر رضي الله عنه .

الرابعة : الجود والكرم
ولقد نال منها جعفر مبلغاً ورتبةً لم ينلها كثير من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم .
في صحيح البخاري من حديث أبي هريرة - وأبو هريرة كما تعلمون كان من أهل الصفة ومن فقراء المسلمين الذين كان ليس لهم مصدر دخلٍ ولا قوت ولا طعام إلا ما يكون من الغنائم في الجهاد ، وما يكون من إكرام المسلمين وهداياهم وصدقاتهم لهم - يقول أبو هريرة رضي الله عنه : "خير الناس للمساكين فكان ينقلب بنا فيطعمنا ما كان في بيته، حتى إنه ليخرج إلينا العكة التي ليس فيها شيء فنشقها فنلعق ما فيها ".
يعطي ما عنده لا يستبقي شيئاً لا قليلاً ولا كثيراً .
ولذلك كثر مدح أبي هريرة على وجه الخصوص له ؛ لأنه كان من الفقراء ويعلم شدة الفقر والجوع رضي الله عنه وأرضاه .

ولذلك قال الحافظ ابن حجر رحمه الله : " هذا الحديث تقييد يحمل عليه المطلق الذي رواه عكرمة عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : ما احتذى النعال ولا ركب المطايا بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم أفضل من جعفر بن أبي طالب . يعني في الجود والكرم .
أخرجه الترمذي والحاكم وصححه .
وهذه روايةً ساقها الترمذي فيها طرافة ، وفيها ذكر لهذه المنقبة العظيمة لجعفر رضي الله عنه .
يقول : " كنت أسأل بعض أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم عن الآيات من القرآن - وأنا أعلم بها - منه ما أشاء إلا ليطعمني شيئاً ، فكنت إذا سألت جعفر بن أبي طالب لم يجبني حتى يذهب بي إلى منزله ، فيقول لامرأته : يا أسماء أطعمينا شيئاً فإذا أطعمتنا أجابني " .
أي يسأله عن معاني بعض الآيات وهو أعلم بها هو لا يريد السؤال ولا يريد الجواب يريد حديثاً حتى يقول له تفضل وادخل البيت فينال شيء من طعام
يعرف أن أبا هريرة إنما يريد الطعام أولاً ثم يقول في تتمة الحديث أبي هريرة : " وكان جعفر يحب المساكين ويجلس إليهم ، ويحدثهم ويحدثونه ، فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يكنيه بأبي المساكين " وهذه كنية اشتهرت لجعفر رضي الله عنه فهو أبوالمساكين .

وفي رواية أبي هريرة أيضاً عند الترمذي ، قال : كنا عند جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه - أبى المساكين - فكنا إذا أتيناه قرب إلينا ما خطر ، فأتيناه يوماً فلم نجد عنده شيئاً ، فأخرج جرة من عسلٍ فكسرها ، فجعلنا نلعق منها " .
فمن شدة كرمه رضي الله عنه أنه كان يكسر جراراً للعسل حتى يلعقوا ما فيها .

ثم كذلك وردت الرواية عند البخاري في هذا المعنى الذي ذكرناه ، وذلك من وجوه الكرم والجود التي كانت معروفةً عن جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه .

وهذا - إن لاحظتم - يدل على بروز هذا الخلق عند جعفر رضي الله عنه ؛ لأن جعفر كان في الحبشة ، وإسلام أبي هريرة إنما كان في العام السابع بعد خيبر ، ونعلم أن جعفر رضي الله عنه - كما سيأتي - شارك في مؤتة ، واستشهد فيها .. عام واحد هو الذي كان يجمع بين أبي هريرة وجعفر في المدينة ! ومع ذلك كان كرم جعفر رضي الله عنه مشتهراً ؛ حتى لقب بـ " أبي المساكين " حتى كان أبوهريرة - وهو من هو - يذكر : أنه ما احتذى النعال ولا ركب المطايا ولا وطئ التراب بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم خير أو أفضل من جعفر بن أبي طالب ؛ لما كان لأثر كرمه ، وجوده على أبي هريرة وعلى غيره من فقراء الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين .

وهذا يدلنا على هذه المنقبة العظيمة التي تدل على نفسٍ سمحةٍ سخيةٍ ، وعلى رغبةٍ في الأجر والمثوبة ، وعلى رغبة في إدخال السرور إلى قلوب الضعفاء والمحتاجين .

الخامسة : الشجاعة والإقدام
وهنا بيان لمعرفة النبي صلى الله عليه وسلم للصحابة وإرادته إظهار المناقب والمراتب لبعضهم ؛ فإن جعفر رضي الله عنه كان في الحبشة وقتاً طويلاً ، لم يشهد غزوة بدرٍ ، ولا أُحد ، ولا الخندق ، ولا الحديبية ، ولا خيبر ، لكنه وافى مع الصحابة خيبر فقسم له النبي عليه الصلاة والسلام من غنائم خيبر ، وأول معركةٍ أو غزوةٍ عظيمةٍ كانت بعد ذلك جعل النبي صلى الله عليه وسلم جعفر من قادتها .

وهذه المعركة الشهيرة التي سميت غزوة - واشتهرت بأنها غزوة - وإن كان النبي صلى الله عليه وسلم لم يشارك فيها هي " غزوة مؤتة " ، وهي أول تحرك عسكري للمسلمين خارج الجزيرة العربية ، وخارج المواجهة مع العرب وقبائل العرب لمقاتلة ومنازلة الروم .

وهي الغزوة الوحيدة التي أمّر فيها النبي صلى الله عليه وسلم ثلاثة أمراء ، وهي الغزوة الوحيدة التي نصّ النبي صلى الله عليه وسلم على نتيجتها وخبرها وحياً وقت وقوعها قبل عودة الصحابة ورجوعهم رضوان الله عليهم أجمعين .

أمر النبي عليهم زيد بن حارثة قال ؛ فإن قتل فجعفر بن أبي طالب ؛ فإن قتل فعبد الله بن رواحة رضي الله عنهم أجمعين .
وكن النبي صلى الله عليه وسلم يدرك عظمة هذه المواجهة .
وعجيبة - أيها الأخوة – وهو أن عدة جيش المسلمين كان ثلاثة آلاف وأقل عدد ذكر في الروايات لجيش الروم أنه كان ثلاثين ألفاً أي عشرة أضعاف ، وفي بعض الروايات مائة ألف وفي بعضها مائتين ألف ، ما النتيجة المتوقعة لعشر أضعاف من الجيش يقابلون عشرهم مع قلة الزاد والعتاد ، وطول السفر والشقة .
من المفترض أن لا يأخذوا إلا سويعة من الزمان ويثنوهم عن بكرة أبيهم !

لست بصدد الحديث عن الغزوة ولكني أقول : ما نتيجتها في آخر الأمر ؟ كم عدد الذين استشهدوا في غزوة مؤتة من هذا العدد الذي كان يبلغ ثلاثة آلاف ؟
أظن أن أكثركم لا يستحضر الرقم ، وقد يتعجب منه كثيراً شهداء غزوة مؤتة اثنا عشر شهيداً - ربعهم قيادة الجيش القواد الثلاثة رضوان الله عليهم أجمعين - لم تكن القيادة بمعزل بل كانت في مقدمة الصفوف .
ثم كيف تسنى لهم أن يواجهوا الجيش حتى يفصل عنهم ، ثم ولّوا خالد بن الوليد - كما أخبر النبي عليه الصلاة والسلام - وكما وقع به الحال ، ثم استطاعوا أن ينسحبوا انسحاباً عسكرياً قوياً ، ولم يكن انسحاب هروبٍ أو فرار ، لماذا ؟ لأنه لو كان انسحاب هروبٍ لكان انسحاباً متعثراً مرتبكاً وكان مغرياً للأعداء أن يلحقوا بهم ، وأن يبيدوهم ، لكن الأعداء قد رأوا الهول ، فاكتفوا بأن انسحب المسلمون من أمامهم ، ورأوا أن هذه فرصةً عظيمة لهم أن لا يواجهوا هؤلاء الناس الذين كانوا يحبون الموت أكثر من حب أولئك للحياة .

وهنا وقفاتنا مع جعفر رضي الله عنه .. قاتل زيدٌ حتى استشهد ، فحمل الراية جعفر رضي الله عنه وقاتل قتال الأبطال .
ثم -كما روى بعض الصحابة - : " والله لكأني أنظر إلى جعفر بن أبي طالبٍ يوم مؤتة حين اقتحم عن فرسٍ له شقراء فعقرها ثم تقدم حتى قتل رضي الله عنه " .
ومن هنا ذكر أصحاب السير - وأولهم ابن إسحاق - إن أول من عقر في الإسلام هو جعفر بن أبي طالب .
لما كانت المعركة بكثافة الجيش العدو ، ليس فيها مجال لركض الخيل ، وكانت فرسه تعيقه عن ذلك ، نزل عنها فعقرها ، ثم قاتل رضي الله عنه واقف على قدميه ، وقطعت يده اليمنى فحمل الراية بيسراه فقطعت يسراه ، ثم خرّ شهيداً رضي الله عنه وأرضاه .

وإليكم هذه الروايات التي ذكرنا فيها رواية عقر فرسه ، وقد رواها أبوداود في السنن ، وذكرها ابن عبد البر في الاستيعاب : لما قاتل جعفر قطعت يداه - والراية معه لم يلقها - فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( أبدله الله جناحين يطير بهما في الجنة ) .
ولذلك سمي بالطيار ، وسمي بذي الجناحين ، وصح عند البخاري من حديث ابن عمر رضي الله عنه ، أنه كان إذا رأى عبد الله بن جعفر قال : " السلام عليك يا ابن ذا الجناحين " .

وخذوا هذه الرواية وهي رواية قد كثرت في كتب السيرة ، وفي كتب السنة على اختلافٍ فيها .
قال الراوي : ولما قتل وجد به بضع وسبعون جراحا ، ما بين ضربة بسيف وطعنةٍ برمح كلها فيما أقبل من بدنه " ، وقيل : " بضع وخمسون " والأول أصح كما قال ابن عبد البر .
وذلك دليل شجاعة وإقدامٍ وثباتٍ وقوة إيمانٍ ويقينٍ وفروسيةٍ كانت لجعفر رضي الله عنهم وأرضاه .

وفي رواية ابن إسحاق قص النبي صلى الله عليه وسلم القصة في وقتها - أي في وقت حدوثها - وهي رواية بألفاظٍ أخرى في الصحيح أيضاً : لما أصيب القوم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( أخذ الراية زيد بن حارثة، فقاتل بها حتى قتل شهيدا، ثم أخذها جعفر، فقاتل بها حتى قتل شهيدا. قال: ثم صمت رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى تغيرت وجوه الأنصار، وظنوا أنه قد كان في عبد الله بن رواحة بعض ما يكرهون، ثم قال: ثم أخذها عبد الله بن رواحة فقاتل بها حتى قتل شهيدا ، ثم قال: لقد رفعوا إليّ في الجنة فيما يرى النائم على سرر من ذهب فرأيت في سرير عبد الله بن رواحة ازورارا عن سريري صاحبيه، فقلت: عم هذا؟ فقيل لي: مضيا، وتردد عبد الله بن رواحة بعض التردد ثم مضى ) .
وتردده رضي الله عنه ليس خوفاً على نفسه وإنما خوف على المسلمين ، وإلا ما كان لعبد الله بن رواحه في أول المعركة ما يدل على هذا ، عندما وصل المسلمون إلى مؤته وعلموا ضخامة الجيش الذي ينتظرهم وقفوا يتشاورون ماذا نصنع ؟
قال بعضهم : نرسل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى يمدنا بمدد ! فقال عبد الله بن أبي رواحة : يا قوم، والله إن التي تكرهون للتي خرجتم تطلبون؛ الشهادة، وما نقاتل الناس بعدد ولا قوة ولا كثرة، ما نقاتلهم إلا بهذا الدين الذي أكرمنا الله به، فانطلقوا فإنما هي إحدى الحسنيين؛ إما ظهور وإما شهادة. قال: فقال الناس: قد والله صدق ابن رواحة. فمضى الناس
فما كان ليتردد خوفاً أو جبنناً - حاشاه - وإنما كان يفكر في أمر المسلمين وأقدم واستشهد كيف قد يضطرب حالهم .
ثم مضى لأمره ولما ولاه إياه رسول الله صلى الله عليه وسلم فاستشهد فكان لتردده أثر .

ووردت الرواية عند ابن إسحاق - وهي مما سبقت إشارتنا إليها – عن أسماء بنت عميس قالت : لما أصيب جعفر وأصحابه، دخل عليّ رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد دبغت أربعين منا، وعجنت عجيني، وغسلت بني ودهنتهم ونظفتهم، قال: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( ائتني ببني جعفر ) . فأتيته بهم فشمهم وذرفت عيناه، فقلت: يا رسول الله، بأبي أنت وأمي، ما يبكيك، أبلغك عن جعفر وأصحابه شيء؟ قال: ( نعم، أصيبوا هذا اليوم ) قالت: فقمت أصيح، واجتمع إليّ النساء، وخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أهله فقال: ( لا تغفلوا عن آل جعفر أن تصنعوا لهم طعاما؛ فإنهم قد شغلوا بأمر صاحبهم ) .
وروي أيضاً أنه لما جاء ذلك قال : ( على مثل جعفر فلتبكي البواكي ) وقد أخبر عليه الصلاة والسلام أنه قد ضرج بالدم وأنه يطير بجناحين مخببان بالدم في الجنة إشعارً بما كان له من فضلٍ وإقدامٍ في جهاده في سبيل الله عز وجل .

وفي شجاعته أيضاً ذكر الرواة ما ذكروا من هذا الأمر ، ومن ذلك رواية عقره لفرسه ذكرها أيضاً الذهبي في سيره وهي مروية بإسناد رجاله ثقات .
وقد وردت رواية أبي هريرة عند الترمذي في سننه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( رأيت جعفر يطير في الجنة مع الملائكة ) ، قال الترمذي هذا حديث غريب من حديث أبي هريرة رضي الله عنه ، وفيه من يضعف ، وقد ذكر العلماء رواياتٍ عديدة في هذا الشأن ساق منها ابن حجر رحمه الله قول ابن عمر لابن جعفر بن أبي طالب : " السلام عليك يا ابن ذي الجناحين " .

قال شارح : " كأنه يشير إلى حديث ابن جعفر - عبد الله بن جعفر - قال قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( هنيئاً لك أبوك يطير مع الملائكة في السماء ) أخرجه الطبراني بإسنادٍ حسن " .
ثم ذكر ابن حجر طرقٌ أخرى عن أبي هريرة وعلي وابن عباس ، وقال في طريق ابن عباس : إن جعفر يطير مع جبريل وميكائيل له جناحان عوضه الله من يديه .
قال : وإسناد هذه جيد - أي إسناد هذه الرواية جيد - وهذه الرواية مسوقة سياقاً آخر من حديث ابن عباس : بينما رسول الله صلى الله عليه وسلم جالس وأسماء بنت عميس قريبة منه إذ قال : يا أسماء هذا جعفر مع جبريل وميكائيل مر بي فأخبرني أنه لقي المشركين يوم كذا وكذا فسلّم فردّي عليه السلام ، وقال : إنه لقي المشركين فأصابه في مقادمه ثلاثة وسبعون فأخذ اللواء بيده اليمنى فقطعت فأخذه بيده اليسرى فعوضه الله من يديه جناحين يطير بهما مع جبريل وميكائيل في الجنة يأكل من ثمارها .
وهذا مما وردت به روايات بعضها ببعض .

وهكذا ختمت هذه الحياء العطرة التي كانت في أولها هجرة ، وفي آخرها شهادة ، وسطّر حسان بن ثابتٍ ذلك الموقف العظيم ، والشهادة المباركة لشهداء وقواد غزوة مؤته ، فكان مما قاله رضي الله عنه :
غداة مضوا بالمؤمنين يقودهم **** إلى الموت ميمون النقيبة أزهر
أغرّ كضوء البدر من آل هاشم **** أبيّ اذا سيم الظلامة مجسر
فطاعن حتى مال غير موسد **** لمعترك فيه القنا يتكسّر
فصار مع المستشهدين ثوابه **** جنان، ومتلف الحدائق أخضر
وكنّا نرى في جعفر من محمد **** وفاء وأمراً حازما حين يأمر
فما زال في الاسلام من آل هاشم **** دعائم عز لا يزلن ومفخر

وينهض بعد حسّان، كعب بن مالك، فيرسل شعره الجزل :
وجدا على النفر الذين تتابعوا **** يوما بمؤتة، أسندوا لم ينقلوا
صلى الإله عليهم من فتية **** وسقى عظامهم الغمام المسبل
صبروا بمؤتة للإله نفوسهم **** حذر الردى، ومخافة أن ينكلوا
إذ يهتدون بجعفر ولواؤه **** قدّام أولهم، فنعم الأول
حتى تفرّجت الصفوف وجعفر **** حيث التقى وعث الصفوف مجدّل
فتغير القمر المنير لفقده **** والشمس قد كسفت، وكادت تأفل

ذهب ومضى أبو المساكين - رضي الله عنه - والمساكين يندبون فقده ، وذهب فارس الفرسان ، والشجعان يندبون فقده ، ومما قاله العلماء والأئمة في ذكره ووصفه ، ما جمع هذه الألقاب والمناقب كلها ، صدر الذهبي رحمه الله ترجمته في السير بقوله : " السيد الشهيد ، الكبير الشأن ، علم المجاهدين ، أبو عبد الله ، ابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم عبد مناف بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف بن قصي الهاشمي ، أخو علي بن أبي طالب ، وهو أسن من علي بعشر سنين ، هاجر الهجرتين ، وهاجر من الحبشة إلى المدينة فوافى المسلمين وهم على خيبر إثر أخذها ، فأقام بالمدينة أشهراً ، ثم أمره رسول الله صلى الله عليه وسلم على جيش غزوة مؤتة بناحية الكرك ، فاستشهد وقد سرّ رسول الله صلى الله عليه وسلم كثيراً بقدومه وحزن والله لوفاته " .
أوجز الذهبي رحمه الله إسلامه وسبقه وهجرته وفضله ، ثم إمرته وجهاده واستشهاده رضي الله عنه بهذه الكلمات العظيمة ، الدالة على فضل جعفرٍ رضي الله عنه .

وهنا نختم بملحوظاتٍ يسيرة ، ولكنها مهمة :
أولها : أن الفضل والأجر والمثوبة بالسبق والعمل والبذل ، وليس بالنسب والقرب والحب وحده ؛ فإن جعفراً رضي الله عنه - وإن كان من النبي صلى الله عليه وسلم قريب وإليه حبيب - إلا أنه كان لله عز وجل باذلاً ، وبأمره قائماً ، ولسنة رسوله صلى الله عليه وسلم متبعاً ، وبشأن دعوته قائماً ،فكان حينئذٍ على هذا المقام العظيم والقدر الجلي الذي كان عليه رضي الله عنه وأرضاه .

والأمر الثاني : كما نلحظ أن جعفراً رضي الله عنه لم يكن مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وقتاً طويلاً ، وذلك يدلنا على أن أساس الإيمان والإسلام ليس الارتباط بالأشخاص وإنما الاعتقاد بالحق والارتباط بكتاب الله وسنه رسوله صلى الله عليه وسلم ، وهذا أمر عظيم





*.*.*.*.*.*.*. التوقيع .*.*.*.*.*.*.*





الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
الرومانسي الحزين
Admin
Admin
avatar

ذكر 1
نقاط : 5924
عدد المساهمات : 4949
التقييم : 7
تاريخ التسجيل : 28/05/2010
الموقع : momen_201096
10


مُساهمةموضوع: رد: جعفر بن ابى طالب (ذى الجناحين )   الأحد أغسطس 08, 2010 3:45 pm

جزاكي الله كل خير يا امنيه

ربنا يجعله في ميزان حسناتك

تقبلي مروري وتحياتي

دومتي بود والف خير





*.*.*.*.*.*.*. التوقيع .*.*.*.*.*.*.*




الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://friends100.own0.com
رونة
عضو متألق
عضو متألق
avatar

انثى 1
نقاط : 3256
عدد المساهمات : 2891
التقييم : 3
تاريخ التسجيل : 06/06/2010
العمر : 35
2


مُساهمةموضوع: رد: جعفر بن ابى طالب (ذى الجناحين )   الإثنين أغسطس 09, 2010 2:12 pm

تسلم ايدك يا امنية

وربنا يجازيكى خير

ويجعله فى ميزان حسناتك





*.*.*.*.*.*.*. التوقيع .*.*.*.*.*.*.*




الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
دمعه حب حزينه
مشرفه قسم الخاص بالرسول
مشرفه قسم الخاص بالرسول
avatar

انثى 1
نقاط : 3963
عدد المساهمات : 3329
التقييم : 3
تاريخ التسجيل : 28/05/2010
العمر : 26
1


مُساهمةموضوع: رد: جعفر بن ابى طالب (ذى الجناحين )   الإثنين أغسطس 09, 2010 9:42 pm

ربنا يخليك يامؤمن ومشكورك ياغالى مرورك الكريم





*.*.*.*.*.*.*. التوقيع .*.*.*.*.*.*.*





الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
دمعه حب حزينه
مشرفه قسم الخاص بالرسول
مشرفه قسم الخاص بالرسول
avatar

انثى 1
نقاط : 3963
عدد المساهمات : 3329
التقييم : 3
تاريخ التسجيل : 28/05/2010
العمر : 26
1


مُساهمةموضوع: رد: جعفر بن ابى طالب (ذى الجناحين )   الإثنين أغسطس 09, 2010 9:44 pm

تسلم ايدكى ياقمر وربنا يخليكى ليا ومشكوره ياحبيبتى على مرورك الكريم





*.*.*.*.*.*.*. التوقيع .*.*.*.*.*.*.*





الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
دموع الحب
عضو متألق
عضو متألق
avatar

نقاط : 858
عدد المساهمات : 820
التقييم : 0
تاريخ التسجيل : 21/06/2010

مُساهمةموضوع: رد: جعفر بن ابى طالب (ذى الجناحين )   الجمعة أغسطس 13, 2010 5:51 pm

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
دمعه حب حزينه
مشرفه قسم الخاص بالرسول
مشرفه قسم الخاص بالرسول
avatar

انثى 1
نقاط : 3963
عدد المساهمات : 3329
التقييم : 3
تاريخ التسجيل : 28/05/2010
العمر : 26
1


مُساهمةموضوع: رد: جعفر بن ابى طالب (ذى الجناحين )   الخميس سبتمبر 09, 2010 1:10 am

تسلمى ياغايه
وجزاكى الله خيرا
ومشكوره ياقمر لمرورك الكريم





*.*.*.*.*.*.*. التوقيع .*.*.*.*.*.*.*





الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
 
جعفر بن ابى طالب (ذى الجناحين )
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
الاصدقاء :: friends 4 ever :: اسلاميات :: ♥ஓ♥ الصحابا والانبياء ♥ஓ♥-
انتقل الى: